خليل الصفدي
252
نكت الهميان في نكت العميان
أبا العيناء يقول : أنا والجاحظ وضعنا حديث فدك ، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد فقبلوه ، إلا ابن شيبة العلوي ، قال : لا يشبه آخر هذا الحديث أوله ، فأبى أن يقبله . وكان أبو العيناء يحدث بهذا بعد ما كان ، وكان جد أبى العيناء الأكبر لقى علي بن أبي طالب ، رضى اللّه عنه ، فأساء المخاطبة بينه وبينه ، فدعا عليه بالعمى له ولولده من بعده ، فكل من عمى من ولد أبى العيناء فهو صحيح النسب فيهم . وقال المبرد : إنما صار أبو العيناء أعمى بعد أن نيف على الأربعين ، وخرج من البصرة واعتلت عيناه ، فرمى فيهما بما رمى ، والدليل على ذلك قول أبى على البصير فيه : قد كنت خفت يد الزما * ن عليك إذ ذهب البصر لم أدر أنك بالعمى * تغنى ويفتقر البشر وقال أحمد بن أبي داود لأبى العيناء : ما أشد ما أصابك في ذهاب بصرك ؟ قال : ابدأ بالسلام ، وكنت أحب أن أكون أنا المبتدئ ، وأحدث من لا يقبل على حديثي ، ولو رأيته لم أقبل عليه ، فقال له ابن أبي داود : أما من بدأك بالسلام فقد كافأته بجميل نيتك له ، ومن أعرض عن حديثك إنما أكسب نفسه من سوء الأدب أكثر مما نالك من سوء الاستماع . فأنشد أبو العيناء : إن يأخذ اللّه من عيني نورهما * ففي لساني وسمعي منهما نور قلب ذكى وعقل غير ذي خطل * وفي فمي صارم كالسيف مأثور وقال الخطيب : مولد أبى العيناء بالأهواز ، ومنشاؤه بالبصرة ، وبها كتب الحديث ، وطلب الأدب ، وسمع من أبى عبيدة ، والأصمعي ، وأبى عاصم النبيل ، وأبى زيد الأنصاري ، وغيرهم . وكان من أحفظ الناس وأفصحهم لسانا ، وأسرعهم جوابا ، وأحضرهم نادرة ، وانتقل من البصرة إلى بغداد ، وكتب عنه أهلها ، ولم يسند من الحديث إلا القليل ، والغالب على رواياته الأخبار والحكايات . وقال الدارقطني : ليس بالقوى في الحديث . وقال جحظة : أنشدنا أبو العيناء لنفسه : حمدت إلهي إذ بلانى بحبها * على حول يغنى عن النظر الشزر نظرت إليها والرقيب يظننى * نظرت إليه فاسترحت من العذر وقال محمد بن خلف بن المرزبان : قال لي أبو العيناء : أتعرف في شعراء المحدثين رشيد الرياحي ؟ قال : فقلت : لا ، قال : بل هو القائل فىّ :